أحمد مصطفى المراغي

26

تفسير المراغي

( فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ؟ ) أي فأما الذين تفرقوا واختلفوا فاسودت وجوههم فيقال لهم هذا القول في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا فلا بد أن يوجد في الناس من يقول للأمة التي وقع فيها هذا الاختلاف - مثل هذا القول تغليظا لها لأن عملها لا يصدر إلا من الكافرين ، وأما في الآخرة فيوبخهم اللّه تعالى بمثل هذا السؤال . وقد جرى عرف القرآن أن يعدّ المتفرقين في الدين من الكفار والمشركين كما جاء في قوله : « وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » وقوله : « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ » . كذلك يعد الخروج عن مقاصد الدين الحقيقية من الكفر ، لأن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ، وهو ذو شعب كثيرة من أجلّها تحرى العدل ، واجتناب الظلم ، فمن استرسل في الظلم كان كافرا كما قال تعالى : « وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . وكذلك من ترك الاتحاد والوفاق والاعتصام بحبل الدين كان من الكافرين بعد الإيمان . ( وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) أي وأما الذين ابيضت وجوههم باتحاد الكلمة ، وعدم التفرق فيكونون في الدنيا خالدين في النعمة ما داموا على تلك الحال ، وخلودهم في الرحمة في الآخرة أظهر . ( تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ) أي هذه الآيات نتلوها عليك مقررة ما هو الحق الذي لا مجال للشبهة فيه ، فلا عذر لمن ذهب في الدين مذاهب شتى ، واتبع سنن السابقين ، وجعل القرآن عضين . فعلينا أن نستمسك بما به أمر ووعد عليه بالفوز والنجاح ، ونترك ما عنه نهى